في صباح يوم من أيام الربيع المشرقه وكعادتها وقفت الحمامة البيضاء في حديقتها الغناء تتأمل أشجارها ذات الظلال الوارفه , تشتم عطر ورودها الذي يفوح في الأجواء , تستمع لسيمفونية الجمال التي يغرد بها البلبل ويشدو بها الحسون كل صباح , تقطف ثمار المحبه التي غرستها ورعتها بصفائها ونقائها… وبينما كانت تعيش لحظات السعاده تلك كان هناك غراب أسود قاتم اللون قلبه أشد سواداً من لون ريشه يقف بين الأشجار يرقبها بعين حاقده ويملأ الغيض قلبه من نجاح هذه الحمامة البيضاء و قطافها ثمار المحبه لصفائها ونقائها وإشراقها …

أراد أن يعكر صفوها وصفو محبيها … غادر المكان وعاد أدراجه لإعداد شبكه محكمه يصيد بها الحمامه … وفي اليوم التالي جاء باكراً وقد استحضر مكر الثعالب وأخفى أنياب الذئاب فوقف قريباً من حديقة الحمامه وأمام مرأى عينها متظاهراً بالعزة والأنفه وكأنه أحد نبلاء العصر … مر به أحدهم وقد أثخنته الجراح فسارع لتضميد جراحه ومواساته وإذ بآخر قد أنهكه الجوع فسارع لإطعامه ومد يد العون له وجاءه ثالث يفيض عليه من كلمات المديح والثناء ويشكره على معروفه ذاكراً كنوزه الوافره وأمواله الطائله وكيف أحسن الغراب إستغلالها فأصبح من أكبر الأثرياء … وكانت الحمامه تراقب وتسمع وتتفكر بصمت … إلتفت إليها الغراب وبدأ يتحدث عن الأزهار وجمالها والحديقه وبهائها والأجواء ونقائها وأخبرها أنه سوف يعود في صباح الغد وكله شوق لرؤية هذا الجمال وانصرف … بقيت الحمامه صامته تتفكر … وفي صباح اليوم التالي جاء الغراب بعد أن كتب رساله للحمامه وصف فيها نفسه بأجمل الصفات وصاغها بأعذب الكلمات طالباً الوصال مسحوراً بهذا الجمال وألقى برسالته وتسلل بين الأشجار يراقب بشغف ردة فعل الحمامه … تناولت الرساله فنظرت فيها ملياً وارتسمت على وجهها إبتسامه عريضه قبل أن تدخل حجرتها لتكتب رسالة ترد بها على الغراب الذي عاد مسرعاً لأصدقائه يزف لهم البشرى بوقوع الحمامه في شباكه وأنها أغرمت به وهو لا يشك بذلك ويصف لهم بخياله لقائه العاطفي بها …
وفي اليوم التالي جاء باكراً كعادته وكله لهفه لإستلام رسالة الحمامه فوجدها في الإنتظار … ألقت رسالتها إليه فالتقطها وغادر مسرعاً ليطلق نعيقه في بني جنسه ممن ملأ السواد والحقد قلوبهم يدعوهم ليشهدوا فضيحة الحمامه في أجواء إحتفاليه … فاجتمع القوم , كان البوم حاظراً وكذلك الخفاش , إقترح البوم دعوة الخصوم ليشهدوا فضيحة الحمامه فأرسلوا إلى البلابل وكذلك أتى الحسون للدفاع عن صديقته وطـُلب من الديك المشهور بغيرته أن يقرأ بصوت عال ٍ رسالة الحمامه للغراب , رفض الديك وطعن بتلك الرساله فسخر منه الغراب وأراه خاتم الحمامه على رسالتها ومع ما كان يشعر به الديك من الحزن والقلق الذي كان بادياً عليه لم يشك للحظه بطهارة الحمامه وعفتها ورجاحة عقلها فآزال الخاتم عنها ونظر لما فيها فصعد إلى مكان مرتفع وقد ارتسمت على وجهه إبتسامه عريضه وأشرق وجهه ورفع صوته قائلاً :
إليكم رسالة الحمامة البيضاء إلى الغراب الأسود
أما بعد :
أيها المصاب بعقله , المورط بجهله , البين سقطه , الفاحش غلطه , العاثر في ذيل اغتراره , الأعمى عن شمس نهاره , الساقط سقوط الذباب على الشراب , المتهافت تهافت الفراش في الشهاب , فان العجب أكبر , ومعرفة المرء نفسه أصوب , وإنك راسلتني مستهدياً من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك , متصديا من خلّتي ما قـُرعت دونه أنوف أشكالك , وزعمت وزعم المغترين بك أن المروءه لفظ أنت معناه , والإنسانية إسم أنت جسمه وهيولاه , وأنك انفردت بالجمال , واستأثرت بالكمال , واستعليت في مراتب الجلال , واستوليت على محاسن الخلال
وأن قارون أصاب بعض ما كنزت وكسرى حمل غاشيتك وقيصر رعى ماشيتك , والإسكندر قتل دارا في طاعتك , والضحاك إستدعى مسالمتك , وجذيمة الأبرش تمنى منادمتك , وشيرين قد نافست بوران فيك , وبلقيس غايرت الزباء عليك , وأن مالك بن نويرة إنما ردف لك , وعروة ابن جعفر اإنما رحل اليك , وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزتك , وجساساً إنما قتله بأنفتك , ومهلهلا إنما طلب ثأره بهمتك , والسموءل إنما وفى عن عهدك , والأحنف إنما احتبى في بردك , وحاتما إنما جاد بوفرك ولقى الأضياف ببشرك , وقيس بن زهير إنما استعان بدهائك , وإياس بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك , وسحبان إنما تكلم بلسانك , وعمرو بن الأهتم إنما سحر ببيانك , وأن الصلح بين بكر وتغلب تم برسالتك , والحمالات بين عبس وذبيان أسندت الى كفالتك , وان احتال هرم بن سنان لعلقمة وعامر حتى رضيا كان عن إشارتك, وجوابه لعمر _ وقد سأله عن أيهما كان ينفر _ وقع عن إرادتك , وأن الحجاج تقلد ولاية العراق بجدك وقتيبة فتح ما وراء النهر بسعدك , والمهلب أوهن شوكة الأزارقة بيدك , وفرق ذات بينهم بكيدك
وأن هرمس أعطي بلينوس ما أخذ منك , وأفلاطون أورد على أرسطاطاليس ما نقل عنك , وبطليموس سوى الإسطرلاب بتدبيرك , وصور الكرة على تقديرك , وبقراط علم العلل والأمراض بلطف حسك , وجالينوس عرف طبائع الحشائش بدقة حدسك , وكلاهما قلدك في العلاج , واستشارك في الداء والدواء , وانك نهجت لأبي معشر طريق القضاء , وأظهرت جابربن حيان على سر الكيمياء , وأعطيت النظّام أصلا أدرك به الحقائق , وجعلت للكندي رسما إستخرج به الدقائق , وأن صناعة الألحان اختراعك , وتأليف الأوتار والأنقار توليدك وابتداعك , وأن عبدالحميد بن يحيى بارى أقلامك , وسهل بن هارون مدون كلامك , وعمرو بن بحر مستمليك , ومالك بن أنس مستفتيك
وأنك اللذي أقام البراهين ووضع القوانين وحد الماهية وبين الكيفية والكمية , وناظر في الجوهر والعَرَض , وميز الصحة من المرض , وفك المعمّى , وفصل بين الإسم والمسمى , وصرف وقسم , وعدل وقوّم ,
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ